الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

50

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

قلت : وما علامة الشوق ؟ قال : البكاء على الدوام ، وحفظ الذمام ، والرضا بالكلام ، أو بالسلام ، ولو في المنام فقلت : زدني . فقال : يكفيك إن عملت به . ثم يحمله على ذلك تذكر أيام الائتلاف والتحسر على زمان الاختلاف . قال موسى بن علي : مشيت يوماً مع الجنيد قدّس اللَّه سرّه فلما بلغ مسجد الشونيزية التفت إلينا ثم وقف وقال : يا معشر الشباب جدّوا قبل أن تعجزوا ، واجتهدوا قبل أن تصبحوا أثراً بعد عين ، فإني تذكرت مجاهدات كانت لنا في المسجد ، تُقبّح في عيني بطالتي اليوم » . ث وأما المودة فلها ثلاث منازل : أولها : كتمان الهوى في الظواهر وتقطيع الفؤاد في الضمائر ، فإن الفتى لا يبوح بسره ولا عن أمره ، وإن كان خيال محبوبه في عيانه ، وذكره على لسانه ، وحبه في جنانه . قال الشبلي قدّس اللَّه سرّه : لو كان الأمر بيدي لفديت المؤمنين بروحي في أربعة مواضع : كنت أمرض عنهم ليفوزوا بالأجر وأعالج ضني السقم ، وكنت أموت عنهم ليفوزوا بالأجر وأعالج غصة السكرات ، وكنت أحاسب عنهم ليفوزوا بالأجر وأعالج دقة الحساب ، وكنت ألج النار عنهم ليفوزوا بالجنة وأعالج نكال العذاب عنهم . فالمغبون : من أظهر حاله ، ونادى على نفسه ، وقدر على خير فلم يفعله . ثم ينتقل منها إلى منزلة البكاء والدموع ، فإن من جرت عبراته ، قلَّت حسراته ، وفي انهمال الدموع من الآماق راحة العشاق . روي أن الشبلي قدّس اللَّه سرّه كان ذات يوم يتكلم ، فبكى بعض الحاضرين . فقال : صدقت ، يا نتائج القدرة ، يا دلائل العظمة ، الدموع شفعاء المستوحشين ، ولكن دموع القلوب مع ماء العيون ، وأنين الفؤاد مع ذكر اللسان ، أمتشحت وامتزجت فهي الرافعة للحزن الموصلة إلى الرب . ثم ينتقل منها إلى منزلة الحسرة على أيام الوصال ، كيف تبدلت بأيام الهجر